محمد عبد الكريم عتوم

159

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ « 1 » . فهي طاعة بالمعروف تتركز على تنفيذ الأحكام الشرعية ، ومما تتطلبه المصالح التي وجدت من أجلها الإمرة . ويؤكد الفقهاء على أن تكون الطاعة فيما يأمر به الله فقط ، " إن أهل السنة والجماعة لا يجوزون طاعة الإمام في كل ما يأمر به بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة ، فلا يجوزون طاعته في معصية الله وإن كان إماماً عادلًا ، فإذا أمرهم بطاعة الله أطاعوه " « 2 » . وقد ثار جدل فقهي واسع حول حدود هذه الطاعة الواجبة للإمام على كل مسلم لمجرد البيعة ، وحول وجوب الصبر على هذا الحاكم والإذعان لأوامره المشتملة على المعاصي أم أنه يجب عصيانه والخروج عليه والعمل على عزله . وأما النصرة فهي الحق الثاني الذي ذكره الفقهاء ، لأن الإمام في منصبه الذي وكلته الأمة القيام به لتنفيذ شرع الله وحراسة البلاد والعباد ونشر الدعوة ، يحتاج إلى تأييد الأمة ومساندتها لتحقيق ذلك ، والواقع أن موضوع الثورة والخروج على الحاكم ، ظل من الأمور المسكوت عنها في الفقه السياسي الإسلامي ؛ بسبب الخوف من الفتنة ، والحفاظ على دماء المسلمين عند أهل السنة والجماعة ، حيث أجازوا الاستخلاف بالاستخلاف والإمارة بالقهر والغلبة ، وعند الشيعة الإمامية أيضاً ، الذين أضفوا كثيرا من الهالة والقدسية على الإمام وكذلك على نائبه أيضا ، فليس من المعقول أن يقوم الحاكم بطلب ارتكاب المعصية ، ومخالفة الشريعة . ورغم أن هناك شذرات في الفقه السياسي الإسلامي تتحدث عن خلع الإمام وعزله ، عند تجاوزه الحدود المألوفة ، إلا أن القبول بالأمر الواقع هو الذي ساد واقع التجربة الإسلامية في الحكم . وقد ظل حديث الفقهاء عن دور الأمة وأهميتها باعتبارها هي التي تمنح السلطة للحاكم وتملك حق مساءلته عن تصرفاته وسلوكه لا بل وإقصائه عن منصبه حبراً على ورق ، حيث إننا لا نكاد نعثر على حالة " واحدة تؤكد ذلك " رغم الاستبداد الذي ران على تاريخ هذه الأمة عبر العصور .

--> ( 1 ) - النساء 59 ( 2 ) - ابن تميمة ، ج 2 ، ص 86 .